ابن العربي
199
أحكام القرآن
القرآن اقتضى أحدهما وزادت السنة الثاني ؛ إنما « 1 » يقال : إنّ السنة أثبتت المراد منهما ، والعدول عن هذا جهل بالدليل أو مراغمة « 2 » وعناد في التأويل . الآية التاسعة والستون - قوله تعالى « 3 » : وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ، وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً . فيها ستّ مسائل : المسألة الأولى - قوله تعالى : فَبَلَغْنَ : معناه قاربن البلوغ ؛ لأنّ من بلغ أجله بانت منه امرأته وانقطعت رجعته ، فلهذه الضرورة جعل لفظ بلغ بمعنى قارب ، كما يقال : إذا بلغت مكة فاغتسل . المسألة الثانية - قوله تعالى : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ : هو الرّجعة مع المعروف محافظة على حدود اللّه تبارك وتعالى في القيام بحقوق النكاح . المسألة الثالثة - قوله تعالى : أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ : يعنى طلّقوهنّ . قال الشافعي : هذا من ألفاظ التصريح في الطلاق ، وهي ثلاثة : طلاق ، وسراح ، وفراق . وفائدتها عنده أنها لا تفتقر إلى النية ؛ بل يقع الطلاق بذكرها مجردة عن النية . وعندنا أنّ صريح الطلاق الذي لا يفتقر إلى النية نيّف « 4 » على عشرة ألفاظ ، ولم يذكر اللّه تعالى هذه الألفاظ ليبيّن بها عدد الصريح ؛ وإنما دخلت لبيان أحكام علقت على الطلاق ، فلا تستفاد منه ، ما لم يذكر لأجله ولا في موضعه . وقد بيّنا ذلك في المسائل ، ولا يصح أن يجعل قوله هاهنا : أَوْ سَرِّحُوهُنَّ صريحا في الطلاق قطعا ؛ لأنّ اللّه تعالى إنما أراد بقوله : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، أي أرجعوهن قولا أو فعلا على ما يأتي بيانه في سورة الطلاق ، إن شاء اللّه تعالى . ومعنى أَوْ سَرِّحُوهُنَّ ؛ أي اتركوا الارتجاع ، فستسرح عند انقضاء العدّة بالطلاق الأول ، وليس إحداث طلاق بحال ، وقد يكون الطلاق الذي كانت عنه « 5 » العدة مكانه ،
--> ( 1 ) في ا : ما يقال ، وهو تحريف . صوابه من ل . ( 2 ) المراغمة : الخروج . وأصله المغاضبة والمنابذة . ( 3 ) الآية الواحدة والثلاثون بعد المائتين . ( 4 ) نيف : زاد . ( 5 ) في ل : عنده .